منير سلطان
95
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
ليعرف موقع جمل الكلام إذا تألفت ، فيفصل ما بين ما تألف من كلمات مخصوصة وبين ما يأتلف من غيرها ، ويعرف الطرائق في هذا الباب ، ولا بدّ مع ذلك من محاضرة ما يعلمه ، لأنه قد يجوز أن يتساوى الرجلان في المعرفة وأحدهما أقوى محاضرة من الآخر ، وأن كان الذي يقصر عنه ، مثله في العلم ، أو أزيد ، لكنه يحتاج فيما نعلم ، إلى تثبيت وفكرة ، فلا بد مع الوجه الذي ذكرناه ، من قوة المحاضرة ، ولهذا الوجه يتفاضل العلماء بذلك ، فيصح من بعضهم ، من الخطب والشعر ما لا يصح من غيره ، وإن كان في العلم ربما ماثل أو زاد ، ولا بدّ مع كل ما ذكرناه ، من تأييد وإلطاف يرد من قبل اللّه تعالى ، ولذلك نجد المتكلم يروم طريقة في الفصاحة ، فتقرب عليه مرة ، وتبعد أخرى ، وحاله مع العلم لا يكاد يختلف ، وإنما كان كذلك لأن لطائف هذه الأمور تحصل بغالب الظن ، وإن كان ظاهرها يحصل بالعلم « 1 » . ويقصد بذلك أن من يعلم أفراد الكلمات وكيفية ضمها ، وتركيبها ، ومواقعها ، فبحسب هذه العلوم والتفاضل فيها ، يتفاضل ما يصح منهم من رتب الكلام الفصيح ، وتحتاج بجانبها إلى قدر من الفطنة والذكاء والتذوق والتفريق الدقيق بين دواعي التأثير قوة وضعفا ، وهذه فطرية ، تحصل من اللّه تعالى كالقدرة ، وكما يصح التفاضل في تلك العلوم يصح أيضا التفاضل في هذه الألطاف . فلا يمتنع أن يجرى اللّه تعالى العادة بقدر منها لا يمكن أن يفعل لأجله إلا ما يبلغ رتبة معلومة في الفصاحة ، فيصير الزائد على تلك الرتبة متعذرا بالعادة ، ويصير معجزا « 2 » . وهذا القدر ضروري ، لأنه تتفاوت أحوال العلماء فيه ، كما تتفاوت في العلوم المكتسبة ، وأنت تجد المتساويين في الاجتهاد في النظر يتقدم أحدهما الآخر بالأمر العظيم في باب الاكتساب ، ولا يجوز مثله في باب الضروريات الا بالقدر المعتاد ، إلا إذا كان أحدهما ناقص الآلة ، وأما إذا كانت الآلة متساوية والممارسة كمثل ،
--> ( 1 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 203 . ( 2 ) نفس المصدر - 208 و 209 .